صفي الرحمان مباركفوري

198

الرحيق المختوم

والأرض ، ( وحينئذ ) قال العمير بن الحمام : بخ . بخ ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ما يحملك على قولك : بخ بخ ؟ قال : لا ، واللّه يا رسول اللّه إلا رجاء أن أكون من أهلها ، قال : فإنك من أهلها . فأخرج تمرات من قرنه ، فجعل يأكل منهن ، ثم قال : لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة ، فرمى بما كان معه من التمر ، ثم قاتلهم حتى قتل « 1 » . وكذلك سأله عوف بن الحارس - ابن عفراء - فقال : يا رسول اللّه ما يضحك الرب من عبده ! قال : « غمسه يده في العدو حاسرا » ، فنزع درعا كانت عليه ، فقذفها ، ثم أخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل . وحين أصدر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الأمر بالهجوم المضاد كانت حدة هجمات العدو قد ذهبت ، وفتر حماسه ، فكان لهذه الخطة الحكيمة أثر كبير في تعزيز موقف المسلمين ، فإنهم حينما تلقوا أمر الشد والهجوم - وقد كان نشاطهم الحربي على شبابه - قاموا بهجوم كاسح مرير ، فجعلوا يقلبون الصفوف ، ويقطعون الأعناق ، وزادهم نشاطا وحدة أن رأوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يثب في الدرع ، ويقول في جزم وصراحة : سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ، فقاتل المسلمون أشد القتال ، ونصرتهم الملائكة ، ففي رواية ابن سعد عن عكرمة قال : كان يومئذ يندر رأس الرجل لا يدري من ضربه ، وتندر يد الرجل لا يدري من ضربها ، وقال ابن عباس : بينما رجل من المسلمين يشتد في إثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه ، وصوت الفارس يقول : أقدم حيزوم ، فنظر إلى المشرك أمامه ، فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال : صدقت ، ذلك من مدد السماء الثالثة « 2 » . وقال أبو داود المازني : إني لأتبع رجلا من المشركين لأضربه إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي ، فعرفت أنه قد قتله غيري . وجاء رجل من الأنصار للعباس بن عبد المطلب أسيرا ، فقال العباس : إن هذا واللّه ما أسرني ، لقد أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجها على فرس أبلق ، وما أراه في القوم ، فقال الأنصاري : أنا أسرته يا رسول اللّه ، فقال : أسكت فقد أيدك اللّه بملك كريم .

--> ( 1 ) رواه مسلم 2 / 139 ، مشكاة المصابيح 2 / 331 . ( 2 ) روى مثل ذلك مسلم 2 / 93 وغيره .